أبو الليث السمرقندي

9

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

عبيدة إلى العسكر ، فمات عبيدة في حال انصرافهم قبل أن يصل إلى المدينة ، فدفن بمضيق الصفراء . ففي هذا الخبر دليل من الفقه : أن المشركين إذا طلبوا البراز ، فلا بأس للمؤمنين بأن يخرجوا بغير إذن الإمام ما لم ينههم عن ذلك ، لأن الأنصار قد خرجوا قبل أن يأذن لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفيه دليل : أنه لا بأس بأن ينصر أحد المبارزين صاحبه ، لأن حمزة وعليّا قد أعانا عبيدة على قتل شيبة . وفيه دليل : أنه لا بأس بالافتخار عند الحرب ، لأن حمزة قال : أنا أسد اللّه ، وأسد رسوله . ولا بأس بأن يتبختر في مشيته في حال القتال . ثم خرج مهجع مولى عمر بن الخطاب ، فأصابته رمية بين الصفين ، وكان أول قتيل يوم بدر . وحرّض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس على القتال ، فقال عمير بن الحمام السلمي ، وهو قائم وفي يده تمرات يأكلها فقال : يا رسول اللّه ، إن قتلت في سبيل اللّه فلي الجنة ؟ قال : « نعم » . فألقى التمرات ، وأخذ سيفه وشدّ على القوم ، فقاتل حتى قتل . فخرج أبو جهل بن هشام على جمل له فخرج إليه شاب من الأنصار ، يقال له : معاذ بن عمرو بن الجموح ، فضربه ضربة على فخذه ، فخر أبو جهل عن بعيره . فخرج إليه عبد اللّه بن مسعود ، فلما رآه أبو جهل قال : يا ابن أم عبد لمن الدولة اليوم ؟ وعلى من الدائرة ؟ فقال له ابن مسعود : للّه ولرسوله يا عدو اللّه لأنت أعتى من فرعون ، لأن فرعون جزع عند الغرق وأنت لم يزدك هذا المصرع إلّا تماديا في الضلالة ؟ ثم وضع رجله على عاتق أبي جهل ، فقال له أبو جهل : لأنت رويعنا بالأمس ، لقد ارتقيت مرتقى عظيما . فقتله عبد اللّه بن مسعود وحزّ رأسه وجاء برأسه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فخر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ساجدا ، ثم قال لأبي بكر ، ويقال قال لعليّ : « ناولني كفّا من التراب » . فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبضة من تراب ، ورمى بها في وجوه القوم وقال : « شاهت الوجوه » فدخلت في أعين القوم كلهم ، وأقبل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقتلونهم ويأسرون منهم ، وحملوا على المشركين والملائكة معهم ، وقذف في قلوب المشركين الرعب ، وقتلوا في تلك المعركة منهم سبعين ، وأسروا سبعين ، واستشهد يومئذ من المهاجرين والأنصار ثلاثة عشر رجلا . ورجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالأسارى والغنائم إلى المدينة ، واستشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر الأسارى ، فأقبل على أبي بكر فقال : « ما تقول يا أبا بكر » ؟ فقال : قومك وبنو عمك ، فإن قتلتهم صاروا إلى النار ، وإن تفدهم فلعل اللّه يهديهم إلى الإسلام ، ويكون ما نأخذه منهم قوة للمسلمين ، وقوة على جهادهم بأعدائهم . ثم أقبل على عمر فقال : « ما تقول يا أبا حفص » ؟ فقال عمر : إن في يديك رؤوس المشركين وصناديدهم ، فاضرب أعناقهم وسيغني اللّه المؤمنين من فضله . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثلك يا أبا بكر من الملائكة مثل ميكائيل فإنّه لا ينزل إلّا بالرّحمة ، ومثلك من الأنبياء مثل إبراهيم ، حيث قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 36 ] ومثل عيسى ، حيث قال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ]